30/11/2008

خرافة جميلة

 

 

   لا أعرف لماذا يزداد اقتناعي بأن كلّ ما قيل عن موت الشعر، ليس سوى استيهام لا مكان له، بيننا. قد يكون الأمر مجرد فكرة أوروبية صرف، أحببنا أن نستوردها عندنا وأن نجعل لها امتدادات في ثقافتنا. بالتأكيد لا اقصد أن على ثقافتنا أن تكون ثقافة شعرية، ولكن من الجميل أن تبقى "هذه الخرافة الجميلة" حاضرة بقوة، لتدعو الجميع إلى الوقوع في "شركها" العذب.

    ربما، نستطيع أن نضيف أن نوعا من الشعر قد مات ولم يعد حاضرا على المستوى الحدثي، إذا جاز القول. اقصد أن ثمة خيارات أخذتها القصيدة التي تكتب اليوم، وكأنها الرد الحقيقي على الضجة التي أثارها الشاعر المصري أحمد عبد المعطي حجازي مؤخرا. لست هنا في وارد مناقشة ذلك هنا، بل أحاول أن أشير إلى فضاء جميل أتاح لنا "ملتقى الشعر العربي المعاصر"، الذي انعقد منذ يومين في دمشق، أن نكتشفه وأن نستمع إليه.

    سأقول إن الأمر مسألة محض شخصية تخصني، بمعنى انحيازي الخاص، العاطفي، لهذه التجربة الجديدة التي فاجأتني بشغف، وهي تجربة هذا "الجيل" الشعري الجديد في سوريا. إذ أتاح الملتقى، لاثني عشر شاعرا "شابا"، "جديدا"، أن يقرأوا في يومه الأخير، بمناسبة صدور كتبهم ضمن احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية، لهذا العام. شعراء عديدون كانوا قد قدموا مخطوطاتهم وتمّ اختيار هذه الدواوين، التي وزعت علينا.

    أقل ما يقال عن هذه الأصوات التي استمعنا إليها، إنها مدهشة فعلا. أصوات طازجة، مختلفة، باختلاف التجارب التي يأتون منها. بمعنى، أن كل الاختلافات في الأساليب والمناخات و"اللغات" ليست، في العمق، إلا اختلاف الشعر الذي يرفض أن يتحدد في إطار واحد، بل يتوزع على مسارب واتجاهات. من هنا أهميته وحضوره بالطبع: أهمية هذا التنوع الذي لا بد من أن يترك شغفه الآسر.

   "جيل" يأتي إلى الكتابة، بعدّة حقيقية. بمعرفة فعلية للكتابة الجديدة. جيل يأتي صامتا بدون ادعاءات، لأن الكتابة الحقيقية ترفض كل أشكال هذه الادعاءات التي عودنا عليها "رواد" الحداثة الشعرية.

    هو الشعر الذي لا يزال حاضرا فينا إذاً. هي أصوات لديها مقترباتها الخاصة التي يجب الإنصات إليها. لذلك لننتبه إلى هذه الأسماء: جولان حاجي، رائد وحش، سامر محمد إسماعيل، مناف محمد، غياث المدهون، تمام تلاوي، محمد ديبو، قيس مصطفى، هنادي زرقة، معاذ اللحام، محمد أبو لبن، فيوليت محمد.. أسماء لا أذكرها هنا، في سياق نقدي (إذ سأعود إلى ذلك لاحقا)، بل أريد فقط أن أشير إليها، كتحية لهذه الأرواح المشابهة لأرواحنا.

   في أحد حواراته معي، قال لي قاسم حداد، ذات مرة، ما معناه أنه علينا أن نتعلم أيضا من الذين يأتون بعدنا. وأكتشف اليوم كم كان محقا. لذلك، ليس بوسعي إلا أن أوجه هذه التحية الصغيرة... إلى هؤلاء كلهم.

posté par hamletliban, le 30/11/2008 à 12:59 | dans:
Lien de l'article | Commentaires (0) | Laisser un commentaire | Envoyer cet article
30/11/2008

انقلاب لوكليزيو

 

 

 

 

 

  حيازته "نوبل" مؤخرا، كانت طبعاً الدافع الأكبر لأعيد قراءة بعض أعماله. لكني وقعت صدفة، في مكتبتي، على عدد من "مجلة الدراسات الفلسطينية" (الطبعة الفرنسية، عدد خريف ١٩٨٨)، التي تتضمن نصا للوكليزيو بعنوان "مخيم نور شمس ـ صيف ١٩٤٨". قُدّم النص يومها، على أنه يوميات شابة فلسطينية لاجئة إلى مخيم تابع للأمم المتحدة، خلال الحرب العربية ـ الإسرائيلية الأولى.

    جاء نص لوكليزيو هذا، في ثلاثين صفحة، وتسبب في جدل على الساحة الثقافية الفرنسية، لم ينته إلا بعدما استنفدت جميع أشكال الكلام. جدالات في غالبيتها، ضد الروائي، الذي اتهم في ما اتهم، بأنه يمدح منظمة التحرير وبأنه وقع "في الحلم الفلسطيني" بعدما كان وقع في "الحلم المكسيكي".

    لم تتقبل الحركة الثقافية الفرنسية الرسمية يومذاك "حلم" لوكليزيو، الذي حاول أن يقدمه بعيدا عن "الدعاية" السائدة. أقول الرسمية، لأن لوكليزيو يقع في قلب المشهد الأدبي لا على هامشه، كجينيه مثلاً، الذي وإن كان سبق مواطنه بسنين في الوقوع داخل "الحلم الفلسطيني" إلا انه بقي بعيدا عن النقد المباشر.

    وصف الكاتب يومها نصه هذا، في رسالة وجهها لالياس صنبر (رئيس تحرير المجلة) بأنه يشكل فصلا من رواية تدور حول تلاقي قدرين، قدر فتاتين، الأولى إسرائيلية والثانية فلسطينية. وبعد أربع سنوات من ذاك النص، عاد لوكليزيو لينشر رواية انطلاقا مما كتبه، لكن ليس بالشكل الأول. فقد زيدت عليه عشرات الصفحات، ويوميات نجمة، الفتاة الفلسطينية، لم تعد وحدها، بل صارت محاطة بيوميات استير، الشابة اليهودية الأوروبية التي نجت من "المذابح"، والتي أصبحت ضابطا في الجيش الإسرائيلي.

   هل تستطيع الضحية أن تحب جلادها؟ هذا ما تحاول طوباوية لوكليزيو قصّه علينا في روايته "نجمة هاربة". لم تلتق استير نجمة إلا مرة واحدة ما بين تل أبيب والقدس غداة إعلان دولة إسرائيل، حين كانت استير تسير ضمن قافلة تتجه صوب المدينة الخالدة، فاقتربت منها نجمة لتخرج من جيبها دفتراً ابيض، كتبت على غلافه اسمها وتمد القلم إلى اليهودية كي تكتب اسمها أيضا. هل كانت نجمة ترغب في قول شيء؟ ولماذا كان الصمت مفروضا عليها؟ هل هو صمت الضحية أمام الجلاد؟ مهما يكن من أمر كيف يستطيع المطرود من أرضه أن يواجه طارده؟ لا يصوغ الكاتب رؤية لذلك، بل يدخلنا إلى يوميات نجمة المليئة بالثورة والعنف كما إلى يوميات استير المليئة بالكآبة وبذكريات الطفولة المعذبة والأمل بالمستقبل.

   هذه هي القصة إذاً. وعلى الرغم من كل نواياه لم يستطع الكاتب تقديم "الحلم الفلسطيني"، إذ مثل كل المثقفين الأوروبيين، لم يستطع قول الحقيقة كاملة. فصورة اليهودي ينبغي أن تظل واقفة ما بين الحقيقة والوهم. هل لذلك عاد وصاغ نصه؟ ربما، لأن الحلم الفلسطيني يستأهل الكثير من العنف، بينما "الحلم اليهودي" يضعنا "في مصاف الشعوب التي تحلم بالمستقبل والتي تزيدنا أملا". من هنا، لا داعي لأن نفكر كثيرا ... بالأدب؟

posté par hamletliban, le 30/11/2008 à 12:59 | dans:
Lien de l'article | Commentaires (0) | Laisser un commentaire | Envoyer cet article
17/10/2008

هل كان كونديرا ستالينياً؟

 

   هل كان ميلان كونديرا ستالينيا؟ سؤال لا بد أن يثير الريبة عند محبي الروائي التشيكي (وأنا منهم)، إذ لم يفعل الكاتب في رواياته شيئا ـ وبخاصة تلك التي كتبها بالتشيكية قبل أن ينتقل إلى الكتابة بالفرنسية ـ إلاّ نقد الستالينية وكلّ الإيديولوجيات التي انبثقت عنها أو التي جاءت منها. يكفي أن نقرأ رواياته التي أفردت له هذا الحضور الكبير في دنيا الأدب لنتيقن من ذلك: لنتيقن من هذه الروح الإنسانوية التي تميزه.

   ومع ذلك كان كونديرا ستالينا. هذا ما يقوله كتاب مارتن رزق "كيف نصبح كونديرا؟"، الصادر عن دار "لارماتان" وهو في الأساس جزء من أطروحة دكتوراه تمت مناقشتها في جامعة زوريخ (وصلني مؤخرا من صديق، إذ أنه صادر منذ سنوات)، حيث حاول فيها المؤلف أن يرسم لا فقط صورة عن الكاتب بل أن يغوص في أعماله. في هذه النقطة، يكمن الاكتشاف، إذ يعود الباحث إلى أعمال كونديرا التي كان نشرها في تشيكيا، وهي أعمال "تخلى" كونديرا عنها ولم يذكرها مطلقا في ثبت أعماله اللاحقة.

  من هذه الأعمال دواوينه الشعرية. نعم كان شاعرا "مناضلا" يكتب مثلا "إلى ارض ستالين، سنذهب لنغرف قوتنا". أضف إلى ذلك انه كان عضوا في الحزب الشيوعي، وأن فاتسلاف هافل هاجمه يومها لأن وجد مواقفه معتدلة فيما يتعلق بربيع براغ. سيرة تبدو مجهولة بالنسبة إلى كثيرين منا، نحن الذين عرفنا بداياته مع رواية "المزحة". بيد أن تاريخا سابقا، امتد لفترة لم نعرف عنه أي تفصيل، سوى تفاصيل الملاحقة والقمع اللذين تعرض لهما، ما دفعه إلى اختيار المنفى ليعيش في باريس.

   تضعنا حالة كونديرا هذه بين خيارين: هل ينبغي علينا اختيار الكتابة أم حياة الكاتب؟ جواب صعب، إذ عمره من عمر الأدب نفسه. على الرغم من أن هذه الحياة هي التي تشكل الكتابة في أغلب الأحيان. من هنا، هل يمكن لأي أحد منا أن يهرب من تاريخه؟ صحيح أن هذا التاريخ يحمل عارا كبيرا، لكن ما فعله الروائي، لاحقا، كان "الاعتذار" من نفسه، قبل أن يعتذر من الجميع، عبر كتابات رغب في أن تكون سيرة مخالفة. في أي حال، هل يجب علينا أن نحرق كونديرا؟ سؤال يبدو مشابها للسؤال الذي طرح منذ فترة قصيرة، حين أعلن الألماني غونتر غراس، في مذكراته، أنه كان في الشبيبة النازية. إذ ما نتناساه أحيانا هو الوضع السائد الذي كان لا يرحم من يخالفه، إذ يجد الجميع أنفسهم مجبرين على القيام بأشياء لا يوافقون عليه، برغم أن كونديرا كان واعيا لتلك اللحظة، وفق الأطروحة الجامعية هذه.

posté par hamletliban, le 17/10/2008 à 10:40 | dans:
Lien de l'article | Commentaires (0) | Laisser un commentaire | Envoyer cet article
13/10/2008

الأدب وحده

 

 

   الأدب ولا شيء سوى الأدب. الأدب بصفته فعلا لرواية أحداث وأشخاص وخبريات متنوعة وأسلوب أدبي متطلب لا يتنازل البتة لصالح السهولة والاستعجال. أي الأدب بوصفه كتابة حقيقية بدون مسوغات وبدون اتكاء على قضايا قد تبدو سياسية، أي ملتزمة بالمعنى الضيق للكلمة، بل يبدو الالتزام هنا كأن قضيته الجوهرية هي الإنسان بكل حالاته التي يفرضها وجوده اليومي والبشري، الإنسان بكل كينونته المتشعبة.

   بهذا المعنى علينا أن نفهم اختيار اللجنة الملكية السويدية، الكاتب الفرنسي جان - ماري غوستاف لوكليزيو لمكافأته بجائزة نوبل للآداب. لذلك قد تكون من المرّات القليلة التي تختار فيها الأكاديمية السويدية كاتبا من دون الالتفات إلى الخلفية التي يمثلها، أي من دون الالتفات إلى وجهة النظر السياسية التي يأتي منها. إذ عودتنا اللجنة الملكية، منذ سنين عديدة، أن اختيارها للفائزين بجوائز نوبل للآداب لا بدّ من أن يخفي وراءه العديد من الإشكاليات التي أبعدت سمة "النزاهة" ـ إذا جاز القول ـ عن أهداف الجائزة الحقيقية. غالبا ما كنا نسمع الاعتراضات عقب إعلان اسم الفائز. صحيح أننا نضخم الأمور في بعض الأحيان، وبخاصة حين نعلن عن جهلنا بالاسم الرابح (لنكتشف فعلا أن وراء هذا الاسم كاتبا ينبغي اكتشافه)، لكن علينا أن نقرّ أيضا بأن بعض اختيارات اللجنة جاء متهافتا ولا يعني الشيء الكثير، وربما الدليل الأبسط والأسهل أن هناك العديد ممن حازوا جائزة نوبل قد غابوا ليس فقط من التداول اليومي، لكن ربما من تاريخ الأدب، ولم يعد أحد يذكرهم إلا إذا عاد للبحث في القوائم.

   لوكليزيو من أولئك الكتاب الذين يعتقدون أن الروائي لا يملك أجوبة عن أي شيء، بل هو كاتب لا ينفك عن طرح الأسئلة. هذه الفكرة قد تلخص كل الكتابة عند هذا الروائي الذي يبتعد كل البعد عن الحياة الاجتماعية الأدبية، عن العلاقات العامة ليتفرغ للكتابة. كاتب لم يوقع مرة أي عريضة سياسية، لم يشارك في نقاشات عامة، إلا ما يكتبه ضد الكولونيالية وكيف أقصت الشعوب الأصلية. ومع ذلك يبدو ككاتب بدون فكرة وطن أصيل ـ أو مسقط رأس ـ فالأدب هو وطنه الحقيقي الذي أخلص له ودافع عنه.

   فكرة لا يستسيغها كثيرون اليوم في ظل حمى الإعلام والإعلان والبحث عن الشهرة السريعة. لكن في ظل ذلك كله، إن كان علينا أن نتعلم درسا من لوكليزيو فهو أن نخلص للكتابة. إذ مهمة الكاتب الأولى والأخيرة، أن نخلص للكتابة الحقة التي لا يقود سواها إلى الحضور الفعلي.

   ثمة من يحب أدب لوكليزيو وثمة من لا يحبه. هذه هي حال الأدب بالتأكيد. فالإجماع هو الذي يعني فقط أن ما يكتبه هذا الشخص لا معنى له. لكن من هذا الاختلاف لا بد من أن نحيي كاتبا حقيقيا، لم يعد موجودا مثله سوى قلة قليلة.

posté par hamletliban, le 13/10/2008 à 15:55 | dans:
Lien de l'article | Commentaires (0) | Laisser un commentaire | Envoyer cet article
19/09/2008

دولة الإنسان

 

 

 

   كان يمكن لقدره أن يكون مخالفا تمام الاختلاف، أي ربما تسنى له أن يصبح شخصا لفّه النسيان إلى غير رجعة. بمعنى آخر، لكُنّا وجدنا أن تاريخ الأدب لم يكن ليذكره مطلقا في حولياته. لكنها الصُدف ـ ربما ـ التي شاءت أن تعود لتجعل منه واحدا من كبار شعراء هذا العصر. شاعر لا ينفك الجميع من اكتشاف نص جديد له كل فترة. أو على أقل تعديل نجد بحثا ما يعود ليلقي المزيد من الأضواء على هذه التجربة الكتابية الغريبة التي أرادت أن تبقى في الظل، وأن لا تخرج مطلقا إلى النور وأن تبقى أسيرة الحقيبة التي راكم فيها نصوصه.
   حين كشفت الحقيبة عن أسرارها، خرج منها مارد لم يتوقف منذ ذلك الوقت عن إراقة الكثير من الحبر ومن الدهشة أمام نصوص متعددة الأسماء (كلنا يعرف حكايات البدلاء الذين اخترعهم وكتب بأسمائهم) ومتعددة الاتجاهات والتيارات، حتى يبدو كأنه أبدع وحده كل تاريخ الحداثة الشعرية الأوروبية.

   أعود للحديث عن فرناندو بيسوا، لا بسبب الكتاب الذي صدر عنه مؤخرا بعنوان "بيسوا اللامطمئن" (في إشارة إلى كتابه الكبير، الذي جاء باسم برناردو شواريش، "كتاب اللاطمأنينة") بل بسبب جملة عابرة انتبهت لها مؤخرا، وأنا أعيد قراءة بعض أعماله. جملة قد تبدو عادية بالنسبة إلى الكثيرين، لكنها استوقفتني فعلا، لدرجة أنني طبعتها وعلقتها فوق مكتبي. ربما لأنني وجدتها على كثير من الارتباط بواقعنا نحن في هذه البقعة من العالم. ربما كان هذا هو قدر الشعراء الذين يبقون، أي حين تجد لديهم ـ وإن كانوا يأتون من ثقافات أخرى ? ما يعنيك أنت شخصيا.

   تقول الجملة: "الإنسان (الكائن البشري) فوق مستوى المواطن. ما من دولة تساوي شكسبير".
   أفكر فعلا، هل هذه الدول التي أنشأناها منذ بداية حركات الاستقلال أفسحت حيزا لهذا الإنسان؟ نتحدث دائما عن المواطن، لكننا ننسى فعلا حقوق هذا الكائن حتى البسيطة منها، التي من دونها لن تكون هناك أي مواطنة. كأن على المواطن مثلا أن يتخلى عن كل هذه التفاصيل التي تشكل عصب وجوده كالحرية والديمقراطية إلى آخر ذلك. في أي حال، فعلا ماذا تساوي هذه الدول السياسية من دون إنسانها، من دون "شكسبيرها".  ليس حلما بالتأكيد هل تذكرون مثلا اسم ملك انكلترا (أو ملكته) زمن شكسبير؟ هل يذكر البرتغاليون اليوم اسم سالازار أم اسم بيسوا؟ فقط لأن الكاتب هو ذلك الإنسان وقبل أي شيء آخر.

 

 

posté par hamletliban, le 19/09/2008 à 10:30 | dans:
Lien de l'article | Commentaires (0) | Laisser un commentaire | Envoyer cet article
19/09/2008

يانيس ريتسوس: يد كبيرة غير مرئية ترفع الكرسي

 

 

ترجمة: إ - ح

 

 

   بالتأكيد لم يعد الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس غريبا عن اللغة العربية، إذ قد يكون واحدا من أكثر شعراء الغرب ترجمة إلى العربية. هذه الخيارات المترجمة هنا مستلة ـ القصيدتان الأوليان ـ من "ملاحظات على هامش الوقت" (١٩٣٨ ـ ١٩٤١)، أما الثلاث اللاحقة فمن كتاب "أهلّة" (١٩٤٦ ـ ١٩٤٧)، بينما القصائد الباقية فمن "تمارين" (١٩٥٠ ـ ١٩٦٠). وهذه الدواوين الثلاثة، لم تنشر إلا بعد عدة سنين من كتابتها، إذ صدرت للمرة الأولى في الأجزاء الثلاثة من (أشعار ١٩٣٠ ـ ١٩٦٠) الصادرة عن منشورات "كيدروس" في اليونان بدءا من العام ١٩٦٠.



حضور


يثرثر الهواء أمام النوافذ
مثل الذين هم على أهبة الاستعداد للرحيل
يصبح الأثاث مثل صبيات فقيرات
يجمعن الزيتون المتساقط.
يسير المساء وحيدا تحت أشجار الزيتون
والسهل بقمحه المحصود
شيء نرفضه، جلد الصرصور القديم
يشبه قبة جرس تهاوت بين الأعشاب اليابسة
بعد ذلك بفترة طويلة، هلّ مطر ناعم اصطاد عصافير الدوري

ينام القمر بهدوء تحت أشجار السرو
مثل محراث مهمل. ينام الفلاح تحت الأرض
امرأته جالسة وحدها مع الكلب والثور النحيف.

أيادي الصحو متجمدة
مع العلم أنه يخفي منديله الأسود تحت ذقنه
لكن الفلاح ترك على مقبض المحراث
آثارا أبلغ من قوة يده
وظهر الكرسي احتفظ، ساخنا، باتساع ظهره.

لا أعرف. لكل هذه الأشياء العديمة المعنى
أريد أن أكتب أغنية قصيرة
تثبت أنني أجهلها تماما
إلا إذ كانت كما هي
وحيدة ولا تستدعي
شفقة أحد.


تأخر


ذهب الصيف على عجل
لم نستطع اللحاق به
غيوم كثيفة معلقة في أعالي الجبال
مثل أقنعة مأساة قديمة. ما العمل؟

دائما، تزعجنا أحذيتنا المهترئة قليلا
يزعجنا الضوء، تزعجنا الغيوم
نصل أمام شجرة مزهرة
أمام الخبز، أمام النافذة الأقرب،
مضطربون قليلا، مبهورون
بشعور أننا تأخرنا قرنين
أيكون ذلك لأننا توغلنا بعيدا؟

 


معنى البساطة


أختبئ خلف أشياء بسيطة كي تجدوني
وإن لم تجدوني هناك، فستجدون الأشياء
وتلامسون تلك التي لامستها يداي
عبرها، تتحد بصمت أيدينا.

يلمع قمر آب في المطبخ
مثل آنية مُقصدرة (ومن خلال هذا نفسه، أحدثكم)
تضيء المنزل الفارغ، وصمت البيانو الرائع
ويبقى الصمت قائما

كل كلمة هي منفذ
باتجاه لقاء يخفق غالبا
وتكون كلمة حقيقية
عندما تؤكد على التواصل.



تسامح


نهار الأحد. تلمع الأزرار فوق السترات
مثل ضحكات صغيرة. رحل الترامواي
بعض الأصوات مبتهجة. من الغرابة
أننا نستطيع الإصغاء والتجاوب تحت الصنوبرات
يحاول عامل العزف على الهارمونيكا.

ألقت
امرأة تحية الصباح، لعابر
صباح الخير
كلمة جد بسيطة وجد طبيعية
تثير فيك الرغبة في أن تتعلم العزف
على الهارمونيكا تحت الصنوبرات

ما من قسمة أو طرح. فقط، القدرة على النظر
خارج الذات. حرارة وهدوء. علينا أن لا نكون
ذاتنا فقط، لكن أن نساوي ذاتنا. إنها عملية
حسابية صغيرة.
عملية حساب جار. سهلة الحل
لتؤكد أن الطفل يستطيع النجاح وهو يلعب على أصابعه تحت
الضوء
أو
وهو يعزف على الهارمونيكا كي تسمع المرأة.



النساء

 


بعيدات جدا هن النساء. لشراشفهن عطر ليلة طيبة.
يضعن الخبز على الطاولة كي لا نشعر بغيابهن
وعندئذ نشعر بذنوبنا. ننهض من على مقاعدنا ونقول:
لقد عانيت كثيرا هذا النهار أو اتركي ذلك، سأضيء، أنا، المصباح
وعندما نكشط عود الثقاب، تستدير متمهلة
تتجه صوب المطبخ بنشاط غريب
ظهرها
كهضبة من المرارات الصغيرة، محملة بموتى عديدين
موتى العائلة، موتاها، موتنا نحن
نسمع خطواتها تقرقع على الأرض الخشبية
نسمع الصحون وهي تبكي في خزانة الأطباق
ومن ثم القطار المحمل بالجنود نحو الجبهة.

 


غنى

 


في ليالي الصيف، ساعة سقوط الندى
نسمع حُبيبات الهواء تخشخش فوق نعاسنا.
كقطيع يمر متخفيا
من دون ثغاء، كما لو أنه يرعى السماء.

أجل، قطيعنا الخاص
قطيعنا، نحن الذين لم نملك يوما خروفا ـ أنه قطيع
واثق، هادئ، مثالي
وعندما نستيقظ في الصباح
ـ ما علينا القيام به، هو ـ
التلفظ بعبارة متواضعة جدا
تكتسب معنى وقوة هذا الغنى المجهول
غنى، يصبح حاضرا.



مسـاء

 


تنقر الدجاجات على الطريق.  كانت
امرأة القائد العجوز
جالسة على العتبة، حاملة حفيدها
على
ركبتيها المتباعدتين

طفل يحمل سلة
وفي الجهة المقابلة، ساعة الغروب
منازل فوضوية بصناديقها القديمة،
بأسرّتها الحديدية، بطاولتها وبراويزها
الحاكي الصدئ
يصدح في الغرفة المقفلة. والشراشف
تطوي تاريخها في مربعات واسعة. لا نسمع البحر
يد كبيرة، غير مرئية، ترفع الكراسي
لمسافة قدمين فوق السطح الأرض
كيف يعيش الناس من دون الشعر؟

posté par hamletliban, le 19/09/2008 à 10:12 | dans:
Lien de l'article | Commentaires (0) | Laisser un commentaire | Envoyer cet article
19/09/2008

يانيس ريتسوس: يد كبيرة غير مرئية ترفع الكرسي (2)

 

 

ترجمة: إ - ح



تنسيق

 


طيلة الليل، تغيب الأبواب والنوافذ،
ولا نعرف أين ـ طيلة الليل ـ ربما تتجول في الشوارع
أو في الغابات الكبيرة القديمة، ربما تعود لتصبح أشجارا. لا نعرف أبدا.
ضجة هذا الخشب الذي نسمعه في الليل على أرصفة المدينة.
تأتي بدون شك من الأبواب والنوافذ التي تهرب
تاركة بذلك المنازل لتتحدث بحرية مع السماء.
ومع ذلك، عند بزوغ النهار، تعود الأبواب والنوافذ إلى أمكنتها
لتعزل السماء والبيوت، كي تكتم
الأسرار عن الذين يعرفونها، كي يتمكن البشر من التنقل مجددا،
كي يفتحوا بابا ويغلقوه، كي
يحددوا
الوقت والمكان، كي يستلوا أدواتهم
المنشار، المتر، الملقط، البيكار،
كي يُحصوا على أصابعهم القصيرة والسمينة وليكتبوا الأرقام المتسامحة
لحساباتهم المفيدة على الألواح التي قطعوها لتوهم
بحروف غير سوية وبشارات هندسية ساذجة
ليتمكنوا من صنع أبواب ونوافذ جديدة ـ لكن لا لتعزل، لا ـ
ببساطة كي تستجيب لحاجات النمو السكاني وللحرارة أيام الشتاء.
لدرجة أننا، كل صباح، نشم رائحة الخشب المصقول
حتى في الأحياء البعيدة.



مساء السبت

 


دخل حانياً ظهره كما لو أنه يحمل على كتفيه ثقل يوم بطالة
ثقل مدينة موحلة، بنوافذ مقفلة
ومطرقة لم تضرب السندان.

إنه مساء سبت صامت
حانة عابقة بالدخان
ثلاثة بحارة يقولون شيئا ويقومون بحركات بعيدة.

كأس يقع أرضا. لا يُسمع صوت تحطمه
وحده، سلّم باخرة، مصنوع من الحبال
يطرق بالزجاج المغشى بالبخار
هل سيقودنا السلّم هذا إلى مكان ما؟ هل شاهدته؟

يهز رأسه بالإيجاب. ما من شيء آخر.
يجلسان على الطاولة نفسها. يتقاسمان خبزهما.
عندما تجيء الشمس الغاربة بوجهها الواسع والحار
ـ فوق هذا الزجاج عينه ـ
لتنظر إلى الداخل.
يبعدان كرسيهما من حولهما كي يرقصا.



لحظة

 


حيّ شعبي متعب. تنعس المصابيح.
الحانات البائسة، مصطفة كنساء فقيرات
ينتظرن بفارغ الصبر أمام المستشفى العمومي.
الشارع معتم. يحدثن بعضهن عن ضرورة النوم باكرا. فجأة
تضاء الحانات حتى آخـــر كرسي فيها
بضحكة مراهق بيضاء. في اللحظة التي تلي
نسمع هدير البحر، اللامتناهي، الوحيد، الذي لا يقهر.

 



شراهة

 


مساء واعد، مساء شره مليء بالنداوة،
مساء أخضر مثل بطيخة. وهو، بسكينه،
يحز عميقا في الثمرة المستديرة، ليمتص
الجلدة الزهرية اللامرئية، بينما على شفتيه
يسيل عصير أحمر كما دمه.

 



امرأة، سيرها ربيع

 


مرت على الرصيف المقابل الكلي البياض
بهية في يقين جمالها البريء
كان النهار ذهبيا ومتماسكا. وكلما تحركت
كان جسدها يترك حفرة في الهواء
حفرة، تماما على طول جسدها
يتبعها من الخلف، صف
من التماثيل الشفافة، يتبعها إلى البعيد
إلى زاوية الشارع حيث تختفي..

يسدل بائعو الزهور ستائرهم المعدنية
في حين
تسمرت هذه التماثيل الشفافة، عارية
إلى آخر الأفق، في ممرّ أبيض.

يهطل مطر ناعم على أكتافها الرخامية.



هكذا دائما


كلّ ليلة، ينهار كلّ شيء في العتمة.
ومع ذلك، تحيا ضجة هذا الخوف من بعده. وهذا الصدى
كما لو أن كل شيء يستعيد نفسه من البداية.
في الواقع
غداة اليوم التالي، مع نداوة الفجر، بين
الأبنية الجديدة، بين النيران
التي ترسلها المربعات الكبيرة البيضاء والصفراء، تقف
الحياة أمام الزمن الفحولي مثلما تقف امرأة أمام رجل
منتظرة أن تضم أن تُغنّى
لتتمكن من الإنجاب ومن أن تغني وحدها.

posté par hamletliban, le 19/09/2008 à 10:12 | dans:
Lien de l'article | Commentaires (0) | Laisser un commentaire | Envoyer cet article
19/09/2008

فضيحة

 

 

   هل تشكل الفضيحة جزءاً من الأدب؟ بالأحرى هل تلعب دورا ما في شهرة الكاتب وحضوره على الخارطة الأدبية؟ يميل الكاتب الفرنسي بيير أسولين، في مقالته في العدد الأخير من ملحق "لوموند للكتب" إلى الإشارة إلى ذلك، عبر تذكره حادثة الكاتب الأميركي تشارلز بوكوفسكي يوم مروره في برنامج "ابوستروف" الشهير الذي كان يقدّمه برنار بيفو. والمناسبة مرور ثلاثين سنة على هذه الحادثة.

   يومها لم يكن بوكوفسكي معروفاً إلى درجة كبيرة على الساحة الفرنسية، وحين صدرت ترجمة أحد كتبه، استقبله بيفو في برنامجه الشهير، لكن الكاتب الأميركي لم يتصرف سوى وفق طريقته الخاصة، أي لم يعر انتباها إلى هذا "التكبر" الفرنسي الذي يلف عالم الأدب هناك، بل شرب زجاجة النبيذ بأكملها قبل أن يمد يده ليداعب فخذ إحدى الكاتبات الموجودات، فعلت الصرخة والفضيحة، قبل أن يطلب بيفو من ضيفه مغادرة المكان. لكن تأثير هذه الحادثة على المتفرجين، كانت معاكسة ومخالفة لكل التوقعات، غداة اليوم التالي ارتفعت مبيعات كتب الشاعر والروائي الأميركي في فرنسا وأصبح أحد النجوم الذين تُتابع أعمالهم بقوة.

   حادثة لا بد أن تضعنا أمام تساؤلات كثيرة ليس بالطبع أمام تحليل نفسي لتصرفات بوكوفسكي في تلك الحلقة، بل ربما بالأحرى أمام تحليل نفسي للقارئ الذي لفتته هذه الحركة وبدأ يقبل بكثرة على قراءة هذه الأعمال غير الامتثالية ـ إذا جاز التعبير ـ التي يكتبها بوكوفسكي (شعراً ونثراً، إذ من ينسى كتباً من مثل "حكايات الحنون العادي" و"نساء" وغيرها الكثير مما أصدر). من هنا، لمَ يفضل القارئ أو المتفرج، أو لنقل لمَ يلفت انتباهه كل ما يخرج عن المستقيم وكل ما يخرج عن الصورة الرسمية المرسومة والمحددة سلفاً؟
بالتأكيد كان بوكوفسكي يستحقّ هذه القراءة، إذ لست هنا في معرض النقد الأدبي لكتب عرفت كيف تحفر لنفسها مكانة، بل السؤال هو عن هذا الخروج لكلّ ما هو مرسوم سلفاً. كلّ شيء يبدو اليوم وكأنه حدد لنا مسبقاً، لدرجة أن كلّ حركة يقوم بها أحدنا، خلافاً لما هو متوقع، لا بد أن تثير عند الجميع هذا النوع من "الفضيحة". حتى أن الأدب أصبح اليوم، في جزء كــبير، يســير ضمن هذا المفهــوم، أي يحـاول أن يكون مستقيماً وأن لا يثير الكثير من الشغب.

   بيد أن المطلوب اليوم هو هذه القدرة الحقيقية على الهتك المستمر وبخاصة من الكُتّاب، وإلا ما نفع أن نكون عدداً جديداً يُضاف إلى سلسلة هذا الرقم الطويل الذي يحاول أن يلغي أبسط أنواع الحرية.

posté par hamletliban, le 19/09/2008 à 09:52 | dans:
Lien de l'article | Commentaires (0) | Laisser un commentaire | Envoyer cet article
26/08/2008

خارج من التاريخ الروسي

 

 

 

   لا أعتقد حقا أنه كان روائيا عظيما، ومع ذلك، كان ضرورة تاريخية في مرحلة من المراحل. ضرورة ليكشف لنا ثقل التاريخ الذي كان يرزح على صدر الجميع، على الرغم من أن هذا التاريخ هو الذي أقصاه لمرّات عدة: جسديا وثقافيا وحضورا. كان ضرورة، لا سيّما عند الذين وجدوا فيه ممثلا لوعي الشعب الروسي، بالأحرى ممثلاً لهذه الروح الروسية الأرثوذكسية.

   لا شك في أن سبعينيات القرن الماضي، أي بعد حيازته "نوبل" واختياره المنفى، جاءت لتجعل منه أحد أبرز رموز هذه الثقافة، وهذه الروح التي دافع عنها بضراوة، معتبراً أن النظام الشيوعي، لم يفعل شيئاً، سوى إبادة هذا التفرّد الذي كان يميز الروس. من هنا، جاءت مشاريعه الكتابية الكبيرة مثل "العجلة الحمراء" و"جناح السرطان" وغيرهما، لتبحث، ليس فقط في تصوير الرعب "الستاليني"، وإنما أيضاً لتزيل بعض غبار الحاضر عن هذه الروسيا الضاربة عميقا في التاريخ والزمن. نعم، تحول سولجنتسين يومها إلى "نبي" ما، وكان الروس يجدون فيه بعد ساخاروف الناطق الرسمي باسمهم وضميرهم.

   لكن تلك الفترة صارت جزءاً من الماضي. إذ بين هذه التواريخ المتعددة، بقي سولجنتسين واقفا في مكانه، حاملا أفكاره ذاتها، صارخا في وجه هذا الغبار، علّه يستطيع إزاحته. وفي غفلة من العُمر، انقلب البلد بأسره، ولم تعد روسيا جزءاً من الاتحاد السوفياتي الذي كره، إذ أحبّت أن تغيّر جلدها وإيقاعها وان "تدخل في العصر الذي وجدته مناسبا لها". لم تعد الروسيا تعاني من التسلط الدكتاتوري الحزبي، بل غدت تعاني من أشياء أخرى كثيرة، لم يتمكن سولجنتسين، حتى أيامه الأخيرة، أن يمسك بزمامها، فمشكلته كانت مع التاريخ وليست مع الراهن الذي نعرفه اليوم.

   من هنا، حين عاد من غربته وبعد بهرجة الاحتفالات المرحبة به لم يستطع أن يعيد صوغ الوعي، بالأحرى لم يستطع أن يعيد صوغ وعيه، لقد بقي طوال حياته يحارب الماضي لقريب، ويدافع عن الماضي البعيد حتى انه نسي الحاضر. الماضي مضى والمستقبل بدا غريباً عليه. حتى أنه حين اقترح بعض الحلول، في البرنامج التلفزيوني الذي قدّمه كل أسبوع، لم تلق حلوله آذانا صاغية، لا لأنها كشفت عن "شوفينيته العميقة"، بل لأنها كشفت عن هوّة كبيرة ما بين "اليوتوبيا" الذي ينادي بها وما بين الواقع الذي يحياه، مثلما كشفت عن عنصرية لم يستسغها أحد. هل لذلك لم يمشِ في جنازته سوى أفراد قلة؟ عدد يشير حتماً إلى خروجه من حاضر الروس الذين لا يريدون العودة إلى تاريخهم.

   هل يعني ذلك أنه فقد مصداقيته؟ ربما على العكس من ذلك، إذ بقي واقفاً عندها. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في انه أصبح في الفترة الأخيرة بلا بوصلة. فبينما كان يجذف لكي يصل إلى السفينة، كانت روسيا تبدو بلا بحر. ومع ذلك ثمة حشرية تدفعنا إلى قراءته، لا لنعرف ماذا قدم، بل لنكتشف أكثر، كم أن »الأدب« أحياناً يسقط مع تقادم الزمن...

posté par hamletliban, le 26/08/2008 à 13:30 | dans:
Lien de l'article | Commentaires (0) | Laisser un commentaire | Envoyer cet article
26/08/2008

واجب الذاكرة

 

 

 

   يبدو مصطلح "واجب الذاكرة" الذي تحدث عنه، أول من تحدث، في الغرب (العصر الحديث) الكاتب بريمو ليفي كأنه يحدد جلّ التفكير الغربي الحديث. فنحن لو حاولنا أن نقرأ فعلا كلّ الفلسفة الحديثة بأسرها، لوجدنا كم أن "واجب الذاكرة" يحضر بقوة ليكون هو الخيط الذي يلحم بين كلّ شيء. هذا الواجب عند ليفي كان ينبع من تجربته الخاصة في مخيمات الاعتقال النازي الذي نجا منها. من هنا لا بد من أن تجربته الحياتية، كما الكتابية، لا بد من أن تتأثر "بعدم النسيان" كي تبقى هذه الحادثة منارة للتاريخ.

   بعد ذلك بفترة طويلة، في نهاية القرن العشرين تحديدا، جاء الفيلسوف والمفكر الفرنسي الكبير بول ريكور ليقول في كتابه "الذاكرة، التاريخ، النسيان" بضرورة الخروج من هذا النفق وبعدم استهلاك الذاكرة لغايات لا تمت إلى الواقع بصلة. ومع أن الكتاب عرف نجاحا جماهيريا ضخما في فرنسا إلا أن بعض الأصوات، المؤيدة لإسرائيل، وجدت الفرصة لتشن هجومها على المفكر، التي اتهمته بأنه "يشن حملة صليبية معادية للذاكرة"، كما لتعيد تأكيدها على "الشوا" وما أصاب اليهود، وبأن الواجب في العالم هو عدم النسيان.

   لا أريد من هذه الكلمة لا أن أناقش فكرة ريكور، ولا أن أناقش من اتهموه، بل أريد أن أستعيد فعلا فكرة ليفي حول "واجب الذاكرة". لِمَ لا يحق لنا، نحن من نسكن هذه البقعة من الأرض أن نستعيد فعلا أو أن نتحدث عن واجب ذاكرتنا. لِمَ تبدو ضحايانا كأنها خارج التاريخ؟ ولِمَ تبدو كلّ المجازر وعمليات الإبادة التي ارتكبت بحقنا ـ من دير ياسين ولغاية غزة، مرورا بقانا والعديد من الأماكن الأخرى ـ كأنها لا تستحق وقفة ما، أو كلمة ما، لنعيد معها مراجعة هذا التاريخ، قبل أن نحيله إلى النسيان؟

   قد نفهم الفكر الغربي الذي تأسس على أفكاره، لكن الأنكى ما نشهده اليوم من بعض كتاب العربية، هذه المحاولة لا لنسيان ما حدث، بل هذه المحاولة الحثيثة لتبرئة القاتل وجعله الضحية. تماما كما قال لي احدهم منذ مدة، بأن إسرائيل لم تعتد علينا مرة، بل كنا نحن من يجرها دائما للرد علينا.

   بالتأكيد لو صدر هذا الكلام عن مسؤول إسرائيلي لحاولنا أن نجد مبرراته، لكن أن يصدر عن شخص يدعي أنه كاتب ومثقف، يوجب علينا أن نقف فعلا لنفهم. على الأقل لنفهم هذه الثقافة الشعواء التي تُرسم لنا اليوم.

   في أي حال، بعيدا عن أي واجب للذاكرة، وبعيدا عن أي مصطلح تاريخي ومعرفي وما أردتم: هل يحق لنا أن ننسى فعلا؟ سؤال بسيط، إذ ليست هي قضية حق فقط، بل هل باستطاعتنا؟

posté par hamletliban, le 26/08/2008 à 13:30 | dans:
Lien de l'article | Commentaires (0) | Laisser un commentaire | Envoyer cet article
26/08/2008

عن الكتابة

 

   لماذا نكتب؟ أو، بشكل ألطف، كيف جئنا إلى الكتابة؟ من أي درجة من الغموض يأخذ هذا التأثير رغبته في اكتشاف ينابيعه الخاصة؟ في العملية الإبداعية، كما في الحياة، ما من أجيال فجائية "مقطوعة من شجرة". قد تكون فكرة الرومانسية عن العبقرية فكرة مدهشة، مثلما هي فكرتها عن الموهبة القدرية التي تفرض نفسها بشكل واضح، لكن، وبالرغم من ذلك كله، علينا أن نقبل بالتالي: إن الكتب لا تولد إلا من الكتب أو أن الذي نكتبه، لا يولد إلا من أقلام سبقت، وجدت الوقت لتنحت هذا الفاصل بين "الجرح" وبين "الوحي"، لتقدم لنا شكلا فنيا، سيصبح فيما بعد ذا سلالة وتحولا. ربما، ما من شيء أهم من وجهة النظر هذه، إلا تفحص الموهبة خلال تكونها، قبل أن ترسم إبداعاتها الخاصة.

   لأن الكاتب، وقبل أن يصبح "كاتبا"، كان من دون شك، قارئا شغوفا. فأولى الكتب التي قرأها في مراهقته، وسمته بندبة عميقة لم يستطع التخلص منها. عديدون هم كُتّاب الغرب الذين صرحوا بذلك. هذا ما صرخ به شاتوبريان حين قال انه قرأ برنادان دو سانت بيار وروسو. ومن هو بلزاك لو لم يقرأ والتر سكوت. وهوغو، أكان كتب لو لم يقرأ شاتوبريان؟ يروي لنا مارسيل بروست في كتابه "أيام القراءة" عن دهشته التي لا توصف حين قرأ أعمال بلزاك. أما مالارميه، فقد تشكلت حساسيته الشعرية بعد قراءة بودلير، وقبل أن يلعب هو نفسه هذا الدور، أمام شاب مراهق، أصبح يدعى فيما بعد بول فاليري. حتى رامبو، لم يخف تأثره أبدا بتيودور دو بامفيل، ذلك الكاتب الذي اكتشفه بعد نصيحة ايزامبار له، أستاذه في مدرسة شارلفيل. وبول كلوديل، بدوره، لم يكن ليحمل قلمه، لولا قراءته رامبو. الأمثلة عديدة. فالأدب ليس سوى تاريخ طويل من النبوة الفنية. انه شجرة شاهقة من الإعجاب المتبادل.

   ما يقتلني، آراء بعض الكُتّاب العرب الذين يصرون في أحاديثهم وكتاباتهم على نفي أي هامش من الإعجاب. كأنهم جاؤوا إلى الكتابة من "جمهورية عبقر". كأنهم لم يقرأوا قبل أن يكتبوا. والأنكى من ذلك، إنهم يروجون ويسوغون "لجهلهم". كأن الكتابة "شجرة مقطوعة". فالكاتب العربي، يحاول دائما أن يبدو بأنه الأساس الذي ستتأسس عليه الكتابة، أي لا من قبل، وربما لا من بعد. لماذا لا نتواضع قليلا ونقول إننا كتبنا ذات يوم، لأننا قرأنا ذات يوم.

   قليلون هم الذين تصالحوا مع ذواتهم. قليلون الذين قالوا إن الكتابة لا تأتي إلا من القراءة. فمهما حاولنا، لا بد وان نجد أن هذه الظاهرة تعيد إنتاج نفسها عند كل جيل. لأن كل مراهق يتسلم العصا من الذي سبقه، وهو بدون شك يمضي لياليه الطويلة في التهام الكتب التي وضعها القدر أمامه، أو التي وضعتها النصيحة على طاولته.

  قليلا من التواضع. ولنقل بلا أي خزعبلات، إننا كتبنا لأننا قرأنا. ففي هذه الفترة التي يجتاز فيها »المراهق« العديد من مشكلاته الوجودية (التي تسم عمره عادة)، لا بد انه يتيقن أن ثمة العديد من النجوم تلمع في هذا الليل. ليست نجوم السماء فقط، بل أُناس حاولوا طرح نفس أسئلته في بحثهم عن زهرة المستحيل. لذا، كيف لا نرغب في الالتحاق بنجوم السماء هذه؟ على الأقل، لنحاول أن نصبح نجوم الأبراج والفلك؟



posté par hamletliban, le 26/08/2008 à 12:33 | dans:
Lien de l'article | Commentaires (0) | Laisser un commentaire | Envoyer cet article
26/08/2008

تقديس الخراب.

 


   "خراب أينما حللت". يمكننا الادعاء بالتأكيد، أن جملة الشاعر اليوناني الكبير قسطنطين كفافي هذه، التي كتبها في قصيدته "إيثاكا"، قد خرجت من فضائها الشعري الخالص، لتتحول إلى أكثر من فكرة... لقد أصبحت حضوراً وجودياً، يجد الكثيرون فيه، حقيقة حياتية لا يمكن التخلص منها.

   كان كفافي، يستعيد في هذه القصيدة ـ بمعنى من المعاني ـ سيرة "جدنا الأكبر" عوليس، الذي تاه في البحر، لسنين عديدة، والذي لم ينس فيها وطنه الأصلي، على الرغم من كل المصاعب التي تعرض لها، وعلى الرغم من كل المغامرات التي عاشها.

   من هنا، كان ذاك الهم، الذي أغرقه، ذاك الحنين الذي لم يشف منه إلا في عودته إلى ربوعه.

   هذا الخراب، الذي يمكن أن نسميه اصطلاحاً بالموت، نجد صداه عند شاعر كبير آخر، البرتغالي فرناندو بيسوا، في إحدى شذراته التي يقول فيها: "الحياة هي أن ننتمي إلى آخر. الموت هو أن ننتمي إلى آخر. الحياة والموت سيان. لكن الحياة هي أن ننتمي إلى آخر من الخارج، والموت إلى آخر من الداخل. الأمران يتشابهان، سوى في أن الحياة هي الجانب الخارجي للموت".

   صحيح أننا نحب الشعر، وأننا نجد فيه حضورنا الوجودي، إذا جاز القول، لكن ـ والسؤال يطرح بدون أدنى شك ـ هل ينبغي علينا أن نصدق الشعراء دوماً؟ ماذا لو قلنا إن الشعراء يخطئون بدورهم، وإن كلامهم لا يحتمل في كثير من الأحيان كل هذه "القداسة" التي نضفيها عليه؟

   بطريقة أخرى، هل فعلاً سنجد "الخراب أينما حللنا"؟ هل أن الحياة هي الموت؟ لا اعتقد. بالتأكيد ثمة فرح لا بد من أن ينتظرنا في مكان ما، بعيداً عن هذا الخراب الذي تغير معناه المعجمي ليصبح "لبنان".

   نعم، هذا هو المعنى الحديث اليوم، لهذا اللبنان، الذي حاولتم إدخاله عنوة في نفوسنا. لا شيء هنا سوى الانهيار والخراب. أي لا شيء هنا سوى الموت المتواصل.لا شيء يقنعنا بعد، في الدفاع عن لحظة الخراب هذا. لا شيء يجبرنا على أن نواصل حفلة الحنين هذه. لا شيء يجبرنا على أن نتحقق من أن الموت والحياة سيان. لأنهما ليسا كذلك، في بقعة ما، منسية من هذا العالم.

    لتبقَ "إيثاكا" حيث هي، إذ لا بد من وجود أسماء أخرى أجمل، تقع في الطرف الآخر من هذا البحر. فقط علينا أن نبحر لنكتشف كم من "كاليبسو" مستعدة للقيام بكل شيء من أجل ابتسامة منا.

    لا شيء هنا. أقول لكم. صدقوني. اتركوا بينيلوب لتغزل ألمها لألف سنة أخرى. ثمة أشياء أجمل من كل هذا الألم.

posté par hamletliban, le 26/08/2008 à 12:33 | dans:
Lien de l'article | Commentaires (0) | Laisser un commentaire | Envoyer cet article
16/06/2008

 

يوم مع ريجيس دوبريه (2)

 


   لم أفهم في البداية لمَ رغب ريجيس دوبريه في أن يشارك الدكتور مهنا في واجب العزاء الذي يريد أن يقدمه للعائلة التي فقدت طفلها. كنّا أنهينا جولتنا على مركز مؤسسة عامل في بلدة الخيام، حيث استمع إلى الشروحات المتعلقة بالمؤسسة وما تقدمه على صعيد مراكزها المختلفة، وحيث كان يهرب أيضا من عدسة الكاميرا التي تصوره. طلب من الدكتور أن يقول لهم ليتوقفوا. وهذا ما حصل. خرجنا من المركز لنتوجه إلى بيت قريب. سألني ما يجب فعله، فقلت له. سألني ونحن جالسون بين جمع الرجال في الباحة الخارجية عن العادات، فشرحت.

   ربما هي فرصة للتعرف على واجب العزاء وكيف تدور في قرانا، إذ قد تشكل بالنسبة إليه جزءا من سيرة "هذا المقدس" الذي يبحث عنه. وربما هو اكتشاف بمعنى من المعاني. سأل إن كانت النساء لا تشارك في هذا الواجب، قلت "بلى إنهن في داخل المنزل"، وربما لكي يصدق، اصطحبه الدكتور مهنا ووالد الفقيد لتقديم واجب العزاء إلى الوالدة، التي كانت... كوبية. بالتأكيد ثمة الكثير الذي دار في رأسه في تلك اللحظة، أقلها، ما قاله من أن لبنان صعب عليه ولا يفهمه.

   الإصغاء ذاته، أظهره وهو يستمع إلى شروحات إنتاج الصابون في "إبل السقي". لا يشكل كل ذلك الإصغاء، إلا جزءا من تجواله على هذه القرى المتاخمة للحدود. تجوال هو جزء من محاولته رؤية الجهة الأخرى بعد أن رأى الجهة التي كنا نقف فيها في تلك اللحظة. هذا ما قاله ونحن ننظر بالقرب من بوابة فاطمة إلى الأرض المحتلة. "أتعرفون، قال وهو يرى المطلة أمامنا، هناك يأتون بالوفود للنظر إلى لبنان، وهل تعرفون ما يقولون لهم؟ انظروا إلى أولئك البرابرة الواقفين إلى الجانب الآخر، و... يبدأ عندها تصفيق البعض".

   جملة تختصر الكثير. تماما كالجملة التي قالها ونحن نتوجه إلى مرجعيون. على الطريق أخبره الدكتور مهنا أن البلدة كانت، زمن الاحتلال، مركزا لقيادة جيش العدو والعملاء، كما أخبره بحادثة الثكنة، في حرب تموز، حين استُقبل جيش المحتل بالقهوة والشاي. نظر إلينا غير مصدق، قائلا "بالتأكيد هو موقف غير مشرّف، لا يتمناه أحد".

    كانت الطريق إلى بنت جبيل أشبه بسائر الطرق التي قمنا بها إلى القرى والبلدات الأخرى، أي الكثير من الأسئلة التي يطرحها دوبريه منتظرا الأجوبة. وكأن اللعبة قد تغيرت، لم يترك لنا الفرصة لنسأله، بل كان هو البادئ دوما في السؤال، حتى تحولنا إلى شارحين لكل قضية. هناك أراد أن يرى الدمار الكبير الذي سمع عنه. ما زال بعضه ظاهرا للعيان، على الرغم من كل الورشة الكبيرة. سأل عن هذه الحروف الزرقاء الظاهرة على قرميد أحد المباني الكبيرة التي تقترب من نهاية بنائها. قلنا "شكرا قطر". جملة دفعتني إلى السؤال عن رأيه في الاتفاق الأخير "أعتقد أنه هدنة"، ولم يضف شيئا، وعن رأيه بإقامة الدولة الفلسطينية:"أكبر كذبة في التاريخ، إنها تسمح لساركوزي ورفاقه بأن يقفوا فوق المنبر ليطالبوا أمام المحتشدين بذلك، لكي يصفقوا لهم، أما في الواقع فلا شيء من ذلك كله". والعراق؟ يشير بيديه كأن ننسى الأمر.

   إجابات مختصرة تنم عن موقف بالتأكيد وعن رؤيته للأمور. لكنها تنم أيضا عن هذا الحذر في التصريح، وكأن هذه الصعوبة التي يجدها في لبنان، تلقي بظلالها عليه. ظلال لا يرغب في الخوض فيها، بل كأنه يرغب في البقاء إلى جانبها. الأهم بالنسبة إليه كان أن يسمع لا أن يشير بآراء. هذا أيضا ما أراد رؤيته في قانا، فبعد أن زار مقبرة مجزرة عام ,1996 رغب في أن يزور المقبرة الثانية العائدة لعام ,2006 قبل أن يتوجه إلى متحف الفنان موسى طيبا.

 
   كانت أكثر من دعوة إلى الغداء، تلك التي حدثت في صور. كانت الساعة تشير إلى الثالثة من بعد الظهر حين وصلنا إلى ذلك المطعم المتاخم للشاطئ. الداعي كان غسان صفي الدين، ولفيفا من أصدقائه، لم أتعرف، من بينهم، إلا على الزميل جورج سمعان. حشد وصفه غسان بالقول إن العديدين من بينهم ما زالوا، فكريا، كما كانوا، أي من المعادين لإسرائيل ولأميركا. وأيضا، لم تنفع محاولات الجميع في جرّ دوبريه إلى الكلام، بل كانت تعليقات صغيرة منه، والكثير من الأسئلة، لاكتشاف ما وراء هذه الوجوه المجتمعة إذا جاز القول. التفت إليه وقلت، كيف ترى إلى تلك الحقبة التي ذهبت فيها إلى كوبا: "أتعرف، آخر مرة كنت فيها هناك، كانت منذ 15 سنة، كل رفاقي هناك، إما هاجروا وإما سجنوا. لكني لا أريد أن أنفي هذه الفترة من حياتي، يومها كنت كذلك، إنها جزء من تاريخي الذي لا أنكره. لكن ربما علينا أن نفكر اليوم بطريقة مختلفة". "وماذا عن الثورة؟" أجاب: "أي ثورة؟ لقد انتصر اليوم أمران: رأس المال والديني؟".

    هل هي استقالة من جانب من ذهب ذات يوم إلى كوبا لمشاركة غيفارا وكاسترو ورفاقهما في الثورة، أم هي محاولة لعقلانية ما؟ سؤال صعب وبخاصة إذا حاولنا تأطير هذا الرجل في قالب هو نفسه أصبح بعيدا عنه، أي من الصعب رؤيته في هذا المشهد من دون النظر إلى كلّ التغييرات التي حدثت في مسيرته الفكرية، وإن أبقى على جوهر بعض القضايا الكبيرة. لكن تفكير ابن السابعة والستين، يختلف بالتأكيد عن تفكير ذلك العشريني الذي كانه، وبخاصة أننا أحيانا لا ننتبه إلى هذا العمر الذي يمضي، إذ كل شيء عندنا، لا يزال في مكانه، حتى في طريقة رؤيتنا للأمور.

   ربما هي الأمور التي اختلفت وأنا أستعيد هنا، هذا اليوم الجنوبي، أقصد أنا أيضا أشعر بانزعاج ما في هذه اللعبة التي يفرضها العمل الصحافي. وربما كنت بذلك أضحي بـ"صداقة" ما قد تنشأ، مقابل مقالة أخرى. في أي حال، ربما كان دوبريه قد فهم اللعبة منذ البداية، إذ التفت إليّ ونحن في طريق العودة، ليقول "لا تنقل شيئا عن لساني".

    لا أعرف إن كنت نقلت شيئا مما قاله. إذ طيلة هذا اليوم، لم يتحدث إلا عبر أذنيه.

posté par hamletliban, le 16/06/2008 à 15:24 | dans:
Lien de l'article | Commentaires (0) | Laisser un commentaire | Envoyer cet article
16/06/2008

يوم مع ريجيس دوبريه (1)

 

 

 

   كان واضحا، منذ اللحظة الأولى، أنه مثل "ذئب عجوز" لن تنطلي عليه "اللعبة" ولن يقع في الشرك الذي خبره كثيرا. هكذا بدا في هذا اليوم، الذي أمضيته برفقته. في كلّ زيارة، من زياراته الأخيرة إلى لبنان، كنا نحاول أن نستدرجه إلى حوار صحافي، وفي كل مرة كان يرفض بلباقة، لأنه ـ مثلما يعلن ـ يأتي إلى هنا ليستمع إلى مختلف وجهات النظر، لا لكي يتحدث ويعطي الآراء.

   هذا ما رغب فيه أيضا، منذ يومين، المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه، الذي زار بيروت مؤخرا بدعوة من مؤسسة سمير قصير، ليلقي محاضرة عن المثقف ودوره. أي لم يبدل هذه الرغبة في الاستماع فقط، من دون أن يدخل في أي حوار. إذ حتى محاضرته تركزت على معنى المثقف من دون أن تتطرق إلى اللعبة اللبنانية الصرف. بيد أن ثمة محاولة تبدت في استدراجه إلى هذا الحديث المنتظر، بفضل الدكتور كامل مهنا، رئيس مؤسسة عامل، حين قال لي على الهاتف "سنذهب غدا في رحلة إلى الجنوب، إذ سنمضي نهارنا هناك. رافقنا، ويمكن أن تتكلما على الطريق". لم أكن بحاجة إلا لثانية كي أوافق. ربما هي الفرصة الوحيدة لمحاولة الظفر بكلام ما. كلام قد يخرج عفويا من دون مبررات ومسوغات. كلام فيه الكثير من العفوية، كأي شخصين يتكلمان من دون التفكير أن ذلك قد يخرج إلى العلن في ما بعد. ومع ذلك لا أخفي أن هذا الأمر سبب لي، في لحظة، إحراجا ذاتيا، أي لم أستسغ كثيرا هذه اللعبة في التمثيل، ومع ذلك انطلقت فيها لأن ما من سبيل آخر لمحاولة طرح بعض الأسئلة وإن بشكل موارب.

   منذ اللحظة الأولى بدا كالذئب الذي انتبه إلى اللعبة. هذا ما أحسسته حين قدمني إليه د. مهنا، في بهو فندقه في بيروت. وأظن أن ما ساعده على تقبلي، قول د. مهنا لدوبريه إنني كنت أستاذ ابنته ذات يوم. ربما أحب أو استساغ هذه الصفة أكثر من كوني صحافيا، أي ثمة أمل في أن لا أكون لجوجا كالصحافيين لأمطره بعدد كبير من الأسئلة، لتبقى معلقة، أو لتأتي أجوبتها مواربة.

   هذه المواربة بدأت منذ أن صعدنا إلى السيارة التي انطلقت في طريقها، متجهة إلى بلدة الخيام، كمحطة أولى. أحاديث جانبية سريعة، ربما لزرع الطمأنينة، أو ربما للتعرف. الحوار الوحيد كان في أسئلة دوبريه للدكتور مهنا عن مؤسسة عامل، في البداية، وعن بعض الأوضاع اللبنانية المستجدة، من دون أن يبدي المحاور الفرنسي أي رغبة في التعليق. فقط كان الإصغاء تصرفه الوحيد. قد نستطيع أن نضيف إلى ذلك، نظرته المتنقلة بين مختلف المناظر التي كانت تمرّ أمامه. مناظر جعلته يعلق على "الفوضى العمرانية" غير المتناسقة. قد يكون رأياً أول يفتح بابا للحديث، إلا أنه سرعان ما عاد إلى استغراقه، الذي حاولت أن أخرجه منه للمرة الأولى، عبر قولي إنه سيشاهد الكثير من هذه الفوضى العمرانية كلّما تقدمت بنا الطريق. وحين التفت إليّ قلت إن الفرصة قد تبدو مناسبة، فسألته عن معنى اهتمامه المؤخر بلبنان، حيث قام بزيارته مرات عدة في السنوات القليلة الماضية. "مجيئي إلى هنا جزء من اهتمامي بموضوع المقدس الذي أعمل عليه منذ فترة. أحاول أن أفهم تركيبة الطوائف وعلاقاتها بعضها ببعض". و"هل ستكتب عن ذلك كتابا مثلما فعلت في رحلتك إلى الأرض المقدسة؟" سألته. فأجاب: "أبدا، صعب هو لبنان على شخص مثلي. إنه مرهق، في كل مرة أجيء فيها إلى هنا أحس بهذا التعب".


   كنا نقترب من مدينة صيدا، حيث نزلنا إلى أحد محال الحلويات لتناول شيء قبل أن نكمل الطريق. بدا الجو أكثر ألفة على الطاولة، عدت وسألته عمّا يمثل له هذا البلد. "أهتم بلبنان أيضا لأنه يمثل عيّنة صغيرة مكثفة عن العالم المعاصر. انظر الجميع موجودون هنا، ولكني أعتقد أنه المكان الأصلح لـ اللاحوار الثقافي، على العكس ممّا يظن الجميع".
قلت في نفسي "حسنا"، ربما نستطيع أن نكمل هذا الحديث مع بعض المداورات، لكنه عاد ليطرح بعض الأسئلة المتنوعة التي لا تدل على اتجاه معين، ربما للهرب من الوقوع في منزلق إبداء الآراء. منزلق لا يريده أبدا، ومع ذلك، حاولت: "وكيف ترى الوضع في فلسطين، وبخاصة أنك أصدرت كتابا مؤخرا بعنوان "كانديد في الأرض المقدسة" (وكانديد هو بطل كتاب المفكر الفرنسي فولتير الذي يحمل العنوان عينه، حيث يستعير اسمه).
* تعرف أني لا أعير للدين الكثير من الأهمية، ما حاولته في هذا الكتاب هو أن أفهم ما قام به المؤمنون منذ ألفي سنة. طريق المسيح هنا لا لأقود إلى الإيمان ولا لأشير إلى حقيقة الأناجيل.. بل لمحاولة فهم "هذا الشرق المعقد" الذي تحدث عنه ديغول والذي يستحق انتباهنا.

   - وكيف ترى إلى الحالة الراهنة؟ ألا تظن أن القتل اليومي، هناك، سيقود إلى إبادة شعب آخر؟

   * لقد استعملت الكلمة الخاطئة.

   - تستطيع أن تضع الكلمة التي تناسبك.

   *أفهم عليك. وليس هذا قصدي. هل عرفت ما حدث لساراماغو (كان يشير إلى الروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو الذي اعتبر، منذ فترة، أن ما تقوم به إسرائيل يشبه الإبادة النازية التي ارتكبت بحق اليهود، فقامت القيامة ضده)، فقط لأنه استعمل هذه الكلمة؟ الوضع بالتأكيد صعب هناك، وثمة مذبحة ترتكب، وأخشى ما تخشاه. لكن الوعي الغربي تأسس على فكرة الهولوكست، وعلينا أن نفهم ذلك. وأظن من الصعب تغييره. هل تعرف أن الكثير من الفرنسيين والأوروبيين لا يعرفون أن جنوب لبنان كان محتلا من إسرائيل طيلة تلك السنين، وهم لم يفهموا حرب تموز الأخيرة. هل قرأت كتاب أبراهام بورغ"الانتصار على هتلر"؟ أنصحك بقراءته. يستحق ذلك.

   نصيحة كأنها تعلن الرغبة في عدم إكمال الموضوع وبخاصة عند هذه النقطة. لكن وللمفاجأة أكمل: "هل تعرف قبل أن أنشر كتابي هذا ("كانديد في الأرض المقدسة") أعطيته لبعض الأصدقاء اليهود ليقرأوه. كنت أشرت بمقارنة عابرة إلى أحد مخيمات الاعتقال النازي. وكانت ردة فعلهم بضرورة عدم فعل ذلك، وإلا سأتعرض لاتهامات لا حصر لها... فاضطررت إلى السير بين النقاط كي أتجنب ذلك كله".

   "بين حقل من الألغام" علّق الدكتور مهنا. فابتسم دوبريه، فقلت له "أرأيت، ثمة مفهوم مختلف للأشياء، تقولون السير بين النقاط، ونحن نقول السير في حقل من الألغام". "أظن ذلك" قال، وأكمل ابتسامته ونحن نخرج من المحل.

posté par hamletliban, le 16/06/2008 à 15:24 | dans:
Lien de l'article | Commentaires (0) | Laisser un commentaire | Envoyer cet article
16/06/2008

 

عن هوميروس مثلا

 

   ثمة فرق كبير، نجده اليوم، بين هوميروس وبين أي روائي آخر معاصر. في الإلياذة تجري بعض الأحداث، بينما في الروايات الأخرى، تحدث أمور طارئة. ثمة "عيب خطير"، في كلّ من "الإلياذة" و"الأوديسيه" بالنسبة إلى العالم المعاصر: ليسا كتابين ذوي "سياسة مستقيمة"، إذ بالرغم من أعمال العلماء، علماء النقوش وعلماء الآثار، ثمة خوف يكمن في أن يكون تدخل الإغريق في "إيليون" لا علاقة له بحق "التدخل الإنساني". لقد كانت حربا على الطريقة القديمة ذات حجج خاطئة تبرر كل شيء، حربا بربرية، قاسية، غير عادلة. لم تكن حربا تمت بصلة إلى تلك الحروب "اللذيذة" المعاصرة التي تذكرنا بالألعاب النارية أو بألعاب الفيديو أو حتى بالألعاب الانتخابية التي نشهدها مثلا عند المدافعين عن البيئة. أبدا، كانت حربا قبيحة، وليست حربا افتراضية. الرؤوس تنبجس من تحت الأسوار، يتعاركون بالأيدي والسيوف، يقطع بعضهم أطراف بعض، يغتصبون، يشوّه بعضهم بعضا بسعادة من دون خوف من التقارير التي قد ترفع إلى الأمين العام للأمم المتحدة.

   حرب مرعبة، جاءت قبل أن يعلمنا الأميركيون – الذين يعلموننا كل شيء – كيف هي الحرب النظيفة التي تُدار بالبوصلة، والمسطرة، وحتى بالنقطة. أما في ما يتعلق بالخسائر الجانبية، فإن حرب طروادة لم تبخل علينا بشيء. فكم من الأبرياء سقطوا: إيفيجيني، أوريست الصغير، الأب، الأم... وكل هذا الدم، بسبب جميلة، صغيرة، متقلبة، كما بسبب هواء كسول.

   إن حيلة حصان طروادة التي تخيلها عوليس، مرفوضة اليوم بالتأكيد، وبشدة من قبل جمعيات الأمم المتحدة، ومن قبل معاهدات جنيف والمواثيق الدولية، لأنها مناورة أقبح من القنابل المضادة للبشر، من القنابل الفوسفورية، من غاز الخردل، والأسلحة الكيميائية. من هنا، ينبغي علينا أن نقبل بهذا التقدم الحضاري، فمعارك "إيليون" أوقعت عشرين ألف قتيل. أما حروبنا المعاصرة كالحرب العالمية الثانية مثلاً، فقد أوقعت 20 مليون قتيل فقط. لذلك نسأل: كيف يجب تدريس هوميروس في بعض الجامعات اليوم؟ (هذا إذا استطاع الوصول بعد الانتقادات التي يوجهها إليه المعاصرون). أدبه غير مرغوب فيه، لأنه على تضاد مع الحركات النسوية، فبينيلوب مثلا، امرأة مثال على تلك التي تقبع في منزلها منتظرة عودة زوجها. وما عوليس إلا الدون جوان الذي يتحين كل فرصة، كي يخون زوجته مع الآلهات والحوريات. أما أخيل وأغاممنون، فيتعاركان بسبب امرأة أسيرة، جميلة، تدعى بريزييس، لأن كل واحد منهما أراد أن يضعها في سريره.

   لكن بالرغم من ذلك، نقع على جانب من سحر الألياذة، رؤية هذا البطل الكبير، المحارب الخارج عن المألوف، أي أخيل الذي يمضي ثلاثة أرباع عمره تحت خيمة، مغتماً، بينما يتقاتل رفاقه لأنهم سرقوا له بريزييس. بكى ونادى أمه، الحورية، التي ركضت من صخرتها المائية كي تغريه.

   لا أعتقد أن الجنرال فلاناً أو الماريشال علاناً، يبكي اليوم أو ينادي أمه وهو في قلب المعركة. فأخيل لم يكن يملك سوى عقبيه المنكوبين، وذلك القلب العادي، الذي لم يعرف، حتى اليونانيون، كيف يجدون له علاجاً ليحصن هذا العضو الهش.

   رائعة هي الإلياذة، عظيمة هي الأوديسيه، إذ من غير الممكن أن تكون هذه المغامرات كتبت قبل 3000 سنة. بالطبع، كان هوميروس "شيئا" خياليا، غير موجود، لأن ما من شخص يستطيع أن يترك وراءه عملاً لا يموت.

 

14 – 6 - 2008

 

posté par hamletliban, le 16/06/2008 à 10:47 | dans:
Lien de l'article | Commentaires (0) | Laisser un commentaire | Envoyer cet article
30/05/2008

ثلاثة رفاق

 

   يُقال إن الصيف يبدأ هنا. في هذا الصباح الباكر، فتحتُ نافذتي المطلّة على المرفأ القديم، لكني لم أستطع أن أراه مطلقا: كلّ شيء كان مُغطى ببياض الضباب الذي يلفّ تفاصيل المكان بأسره. لم أجد بدّاً، عند ذاك، إلاّ أن أعود إلى سريري الكبير لأعيد محاولة التدرب على تقنية "النوم مجددا"، تلك التقنية التي علّمني إيّاها منذ أعوام، صديق فرنسي، شاعر، ذو هيئة تثير الشفقة، قام بزيارتي لأيام عدة في منزلي ببيروت، وهو، مذ ذاك، لا يتوقف عن زيارتي، كلّما سنحت له الفرصة بالعودة إلى لبنان، وكأن أحدا يلاحقه على الدوام. مع ذلك لم أستطع أن أغفو مجددا، إذ كانت الأفكار الأكثر عادية ويومية قد بدأت تحتل مكانها في رأسي. نهضتُ دفعة واحدة، وبينما كنت أسير متنقلا بين جدران المطبخ، فاجأتني أغنية شعبية فرنسية قديمة، بدأت بتردادها. كان مطلعها يقول "هذا هو مصير الذي يرغب في الهجرة". قد يبدو الأمر مثيرا للشفقة، وبخاصة أنني هنا لفترة معينة، أي بمعنى آخر، لست مهاجرا، وإن كان ذلك لا يمنع من التفكير بالأمر جديّا. أضحكني الأمر، إذ تيقنت من أن لاوعينا لا يتوقف عن العمل مطلقا، حتى ونحن نائمون، أو ونحن نفتح علبة سردين، أو حتى ونحن نلعب لعبة اللامبالاة. اللاوعي عامل لا يكلّ أو يتعب. يختبئ في داخلنا، مثلما يختبئ بحّار في غواصته أو في قاعدته البحرية المحصنة وهو يستعد لإطلاق نيران مدافعه على بوارج الأعداء المتقدمة صوبه.

   قررتُ أن أخرج من الشقة الواقعة في الطبقة العاشرة من مبنى ضخم بناه الأميركيون بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. في الواقع، لقد أعادوا بناء المدينة بأكملها بعدما دمّروها برمتها. كان عذرهم أنهم لم يستطيعوا تدمير القاعدة البحرية التي كان يستعملها الجيش النازي حيث يبحر منها ليقطع جميع المنافذ في المحيط الأطلنطي. لذلك يبدو التجوال في هذه المدينة أمرا سهلا، إذ لا تخشى من أن تتوه. لقد بُنيت وفق مربعات، ترى أنه من اليسير أن تتجول فيها. ركبت المصعد، البطيء الحركة، الى درجة القتل من الضجر. لم يكن يتوقف إلا على الطبقات المزدوجة، ومن وقت إلى آخر، كان يتعطل ويتوقف عن العمل، وفي أحسن الأحوال، يتصل الناطور برجال الإطفاء فيأتون مسرعين ليخرجوك من هذا القفص العالق داخله، ما عدا اليوم الأول من السنة، إذ يقال إنهم يحتفلون بعيد القديس سيلفستر، الذي يصادف في الأول من كانون الثاني من كل عام. فهمت اليوم، هذه الورقة المعلقة داخل المصعد "الرجاء عدم محاولة الخروج إذا توقف المصعد بين طبقتين". قرأتها ونزلت طبقاتي على مهل لأخرج وأصطدم بهذا الضباب الكثيف.

   كانت لا تزال الثامنة صباحا. في الحانة، ثلاثة "رفاق"، التقيتهم في الأيام الأولى لوجودي هنا، كانوا قد بدأوا باحتساء أولى كؤوسهم اليومية. كان هناك النحيف الأبكم الذي أراه كل يوم وهو يتصفح جريدته بصمت. النادلة الناعمة والهادئة قالت لي بصوتها المليء بالإغواء "يقال إن الصيف قد بدأ" وأشارت إلى الضباب. ابتسمت لها وطلبت قهوتي المزدوجة. في هذه الأثناء، لا بد أن "الخبّازة" الشابة الجميلة الساحرة، التي تعمل في الباتيسري المجاور، كانت تعدّ الكرواسان والباغيت والساندويتشات.

   منذ وصولي إلى هنا، حددتُ نقاط استدلالي في هذا الحيّ الواقع ضمن منطقة المرفأ القديم: البواخر والمراكب، من جميع الأحجام، التي تمرّ من أمام المنزل. الجسر المتحرك الذي يشبه صوتُ تحرّكه صوتَ الرعد، أو بالأحرى صوت القذائف التي كانت تفاجئنا خلال الحرب. على الأقل، هذا ما ظننته حين سمعته للمرة الأولى. أنوار المرفأ والجسر البعيد التي كنت أميّزها بوضوح حين أستيقظ في الليل، متسائلا عمّا أفعله هنا. هناك أيضا ذلك الرجل العجوز، صاحب الغدّة المتدلية من رقبته، كان ينزّه كلبه. لم أر كلبا، في حياتي، يخاف إلى هذه الدرجة. ربما بسبب هذه الشوارع القاحلة، التي تزداد حزنا وكآبة، حين يهبط ظلام الليل. منذ أيام، كان ذلك نهار الأحد الماضي، شاهدت السفن المثلثة، للمرة الأولى في حياتي. سفن ساحرة ذات هيكل مركزي وهيكلين صغيرين مربوطين به من الجانبين ربطا محكما. تسمّى هنا بالـTrimarans. سفن تحيل كلوديو، بائع التبغ، شخصا مجنونا. تراءت لي أشبه بحشرات بلاستيكية ضخمة ذات صوارٍ مرتفعة لتعلّق عليها الأشرعة العالية جدا. أشرعة أشبه بقوائم ثلاث طافية وخيط بلاستيكي يتأرجح عليه طاقم السفينة، بخفة مدهشة، كما لو أن الأرض فقدت نقطة ارتكازها. كانت حركاتهم تذكّرني برواد الفضاء، على الرغم من رشاقتهم وأجسادهم الرياضية المفتولة. كان أحدهم يقفز مثل سنجاب فوق الصاري، بينما ينظر الجميع إليه وأنوفهم في الهواء. بلى، كان هناك العديد من الأشخاص الذين وقفوا للفرجة، لكنهم كلهم كانوا يبحثون بعيونهم، داخل "بطن" الـ"تيماران" عن الربان، عن هذا البحار الأسطوري. لذلك جاء الرجال وهم يصطحبون أولادهم وزوجاتهم ليشاهدوا السكيبور" (الربان). اسم يرنّ بطريقة خاصة بدون شك.

   أنهيتُ قهوتي وخرجت لأقوم بنزهتي اليومية على الشاطئ. نزهة تتيح لي أن أرى الطحالب الكثيرة والنوارس والكلاب التي تتصارع على الرمل والصخور المنبثقة من أعماق البحر كأنها تلك "المنير" (Menhirs) التي تحدث عنها الشاعر الراحل أوجين غيوفيك بالإضافة إلى الصيادين بشباكهم المعلّقة برافعات يحرّكونها بواسطة بكرات يشدّون عليها بأيديهم الواضحة العروق. أرى أيضا العشاق وهم يلمّون الأصداف حين تنحسر المياه إلى داخل البحر.

   بعد ساعة أعود إلى وحدتي المشتهاة. أعود إلى هذه الغواصة التي تخرج، من وقت إلى آخر، من مخبئها، لأشعر بسخرية لا أعرف معناها. تماما مثلما لم أفهم معنى الحلم الذي راودني حيث كانت طائرة ورقية، زرقاء اللون، تسقط على الأرض كلما ارتفعت قليلا في الريح. في أي حال، في تلك الليلة وقعتُ في حب مطربة. حب أفلاطوني. حدث الأمر على الشكل الآتي: كنت في حفل لموسيقى نروجية حيث كانت تغنّي تلك "السوبرانو" بصوتها اللامع، الى درجة أني لم استطع إشاحة نظري عنها. كانت بدينة إلى درجة كبيرة، ربما يفوق وزنها المئة كلغ. كانت تملك تلك النظرة التي تغلّف كل شيء، أي تلك النظرة التي تتمتع بها نساء أوروبا الشمالية. تنظر، في أغلب الوقت، إلى الفراغ كي تستمر في تركيزها على دورها الغنائي. إلا أن عينيها كانتا تقعان عليّ في بعض الأحيان. واثق أنا من ذلك، لكني كنت أتظاهر بأن شيئا لم يحصل. لم أكن أجرؤ حتى على الابتسام لكي لا أشتتها، وإن كنت متيقنا من أنها لاحظتني بين الجمهور. كانت ترتدي ثوبا أسود وسترة زرقاء وعقدا من الألماس الذي يجرح النظر.

   يقال إنه الصيف الذي يبدأ هنا. لكن الضباب المتصاعد يجعلني أعود إلى المنزل مخافة أن يبدأ عقلي بالضعف والوهن، مخافة أن أكتسب عادات الناس الذين يعيشون هنا: تناول كأس من "الموسكاديه" عند الثامنة صباحا. هذا ما يحدث يوميا: يدخل المرء إلى الحانة (البيسترو)، يصافح الموجودين الذين يأتون كل يوم، يطلبون كأسا ليبدأ نهارهم.

 

29 – 3 – 2008

من كتاب يصدر قريبا بالفرنسية، بعنوان "إلى الجانب الآخر من الريح – يوميات سان نازير" عن منشورات "منزل الكتاب الأجانب والمترجمين الأدبيين". 

posté par hamletliban, le 30/05/2008 à 16:51 | dans:
Lien de l'article | Commentaires (0) | Laisser un commentaire | Envoyer cet article
30/05/2008

آلات لا تطير

 

 

   قد يكون رحيله، الذي حدث منذ فترة قريبة، السبب الرئيس الذي قادني إلى إعادة قراءة كتابه النظري "من أجل رواية جديدة" كما روايتيه "الغيرة" و"المماحي"، إذ كنت أرغب في استعادة بعض ما قاله "الن روب غرييه"، الذي شكل ظاهرة أدبية عالمية منذ الستينيات نظرا لطروحاته المغايرة.

   في الحقيقة، لا أعرف لماذا طرأ على بالي، فجأة، تلك الآلات الغريبة الشبيهة بالخفافيش ذات الأجنحة المشرّعة، التي شاهدتها ذات مرة في المتحف الفضائي – المائي في باريس. فهذه الآلات، أُبدعت، في الأصل، كي تطير، لكنها، وبالرغم من أنها كانت "ثمرة عقل عبقري"، لم تفلح في الطيران. لم تفلح هذه الألغاز الغريبة في الوصول إلى هدفها المنشود: التحليق، ولا حتى الإقلاع عن الأرض.

   حاولت أن أفكر قليلا: هل من أمر يجمع بين هذه الآلات وبين الرواية الجديدة، وأعمال غرييه وشركاه، التي تبدو اليوم وكأنها في "تقهقر" مستمر؟

   بمعنى آخر، ماذا بقي اليوم، وبعد هذه السنين الطويلة، من تلك الأعمال الأدبية التي أنتجتها الرواية الجديدة؟ لو نظرنا إلى الأمر، لوجدنا، أنها بخلاف التيارات الأدبية الكبرى التي سبقتها، تركت الرواية الجديدة، نظريات أكثر من كونها تركت أعمالا أدبية، وان كانت نظريات مدهشة في أحيان كثيرة.

   فالرومنسية والرمزية، مثلا، وحتى السوريالية أعطت القليل من النظريات، نسبيا، لكنها، بخلاف ذلك، قدمت روايات كبيرة وقصائد عظيمة، لا تزال حتى اليوم، تبدو بمثابة نجاحات أدبية مدهشة. وإذا ما توقفنا عند هذه النقطة، في إبداع الرواية الجديدة، علينا أن نعترف، بأن النتيجة، لم تكن على قدر الطموحات. إذ أنه، اليوم، وبعيدا عن الوسط الجامعي الذي يدرس ذلك "التيّار"، لوجدنا أن القليل من القراء، ينهمكون في قراءة أعمال غرييه وساروت وبوتور، وهي أعمال يتراءى لنا أنها بالرغم من أهميتها تمثل نوعا من حشرية ما، شكلت هوّة في التاريخ الأدبي، أكثر مما شكلت أعمالا حية.

   مرد ذلك، (ربما) لأن الرواية الجديدة كانت تعبيرا عن ظاهرة تساؤل عام حول بطلان التخصص في الرواية. تجاوبت الرواية الجديدة، مع أزمة خطيرة، تعرضت لها الرواية، إذ أن جميع الذين "أُحتقروا" (أي الذين نقدتهم الرواية الجديدة)، جاءوا من آفاق متنوعة (فاليري، كلوديل، بروتوفان) وهي إن كانت لا تزال حاضرة اليوم، بشكل أو بآخر، فلأن بطلان التخصص هذا، لا يزال يتسع باستمرار، حتى وان لم تكن الرواية الجديدة، ولا النقد الجديد، هما المسؤولان عن امحّاء القيم الأدبية المضطرد في عصرنا.

   أخطر ما في النقد الجديد، المهيمن، نجاحه في إدخال وعبر الجامعة مقتربا "ثقافويا" واسعا للفن. الرواية بدت وكأنها لا تقتصر على المتعة الجمالية. فالترسانة، التي تحاول اليوم تفسيرها، تبدو غير متكيفة معها، لكي تضيئها ولكي تحببنا فيها.

   بالرغم من أن النظريات الفنية، تبقى مدهشة في كثير من الأحيان، إلا أنه ينبغي علينا القبول، بما قاله هنري جيمس ذات يوم، بأن الأساسي في الفن، يهرب دائما من حاجتنا للفهم والتصنيف: "أننا نعيش في الظلمة. نقوم بما نستطيع القيام به. أما الباقي فليس سوى جنون الفن".

 

30 – 5 - 2008

posté par hamletliban, le 30/05/2008 à 16:35 | dans:
Lien de l'article | Commentaires (0) | Laisser un commentaire | Envoyer cet article